جلال الدين السيوطي

697

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

محمد بن يحيى أخبرنا محمد بن يزيد حدثنا المازنيّ قال : قرأ عليّ رجل كتاب سيبويه في مدة طويلة ، فلما بلغ آخره ، قال لي : أما أنت فجزاك الله خيرا ، وأما أنا فما فهمت منه حرفا . وقال الزّجّاجيّ في أماليه « 1 » : أخبرنا محمد بن رستم الطبريّ ، قال : حضرت مجلس أبي عثمان المازنيّ ، وقد قيل له : لم قلّت روايتك عن الأصمعيّ ؟ قال : رميت عنده بالقدر ، والميل إلى مذهب الاعتزال ، فجئته يوما في مجلسه ، فقال لي : ما تقول في قول الله عزّ وجلّ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ سورة القمر ، الآية : 49 ] فقلت : سيبويه يقول الرفع فيه أقوى من النصب في العربيّة لاشتغال الفعل بالمضمر ، وأنّه ليس ههنا شيء هو بالفعل أولى ، ولكن أبت عامة القرّاء إلا النصب ، ونحن نقرّها كذلك اتباعا لأنّ القراءة سنّة . فقال لي : فما الفرق بين النصب والرفع ؟ فعلمت مراده ، فخشيت أن يغري بي العامة ، فقلت : الرفع بالابتداء والنصب بإضمار فعل . وتعاميت عليه . فقال : حدثني جماعة من أصحابنا أنّ الفرزدق قال يوما لأصحابه : قوموا بنا إلى مجلس الحسن البصريّ ؛ فإني أريد أن أطلّق النّوار ، وأشهده على نفسي . فقالوا : لا تفعل ، فلعلّ نفسك تتبعها ، وتندم . قال : لا بدّ من ذلك . فمضوا معه ، فلما وقف على الحسن قال له : يا أبا سعيد ، لتعلمنّ أنّ النّوار طالق [ ثلاثا ] . قال : قد سمعت . فتبعتها بعد ذلك نفسه ، فندم ، وأنشأ يقول : ندمت ندامة الكسعيّ لما * غدت مني مطلّقة نوار وكانت جنّتي فخرجت منها * كآدم حين أخرجه الضرار ولو أني ملكت يدي ونفسي * لكان عليّ للقدر الخيار وينشدون : هي المقادير فلمني أو فذر * إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر

--> ( 1 ) انظر : مجالس العلماء : 224 - 225 .